


سلاح إلكتروني جديد اسمه”التّدوين”
الشبــاب العـربي يعـارض حكـامــه بالإنتــرنت
“إتحاد للمدوّنين العرب” فكرة جزائرية

بعيدا عن أعين الأنظمة وجد الشباب العربي ضالّته، وعثر على منفذ يمكّنه من التعبير عن آرائه وأفكاره ومواقفه بكل حرية دون أن تطالها مقصات الرقابة حتى وإن تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وفي هذا الموضوع، نتتبّع مسار التدوين الإلكتروني في الدول العربية بعد أن أصبح ظاهرة تستحق الاهتمام والدراسة ·
كلمة >مدوّنة< هي التعريب الأكثر رواجا لكلمة >blog< الإنجليزية التي تمثل اخــتصارا لكـلمتي >web log< بمعنى >سجل الشبكة< ، وتمثل المدوّنة إحدى التطبيقات الحديثة التي ظهرت على شبكة الإنترنت والتي تتيح الحصول على صورة مبسطة لصفحات الواب تظهر عليها مقالات تسمى >تدوينات< يتم ترتيبها ترتيبا زمنيا تصاعديا، وظهرت أولى المدونات في العالم في سنة 2002 عن طريق عدد من مؤيدي الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على العراق، وفي العام الموالي بدأت تظهر مدونات لأشخاص مناهضين لهذه الحرب كما استعملها عدد من السياسيين الأمريكيين للتعبير عن مواقفهم السياسية، وبعد ذلك اكتسبت بعض المدونات شهرة واسعة ووصل عدد قرائها إلى الملايين، كما تم نشر محتويات بعضها في كتب ·
تتنوع المواضيع التي يتناولها أصحاب المدونات فمنهم من يدون فيها يومياته وخواطره ومنهم من يتخذها منبرا للتعبير عن الأفكار والإنتاج الأدبي، في حين يرى البعض أنها وسيلة فعالة لمناقشة الموضوعات المتخصصة في مجال التكنولوجيا، لكن مع بداية الحرب على العراق اتجه عدد من الجنود الغربيين إلى كتابة يومياتهم عبر المدونات بما اعتبره البعض بداية مرحلة تحمل مفهوما حديثا للمراسل الحربي ·
العرب وذروة التدوين في سنة 2006
بعد الحرب على العراق ظهر اتجاه عند فئة من الشباب العربي للاعتماد على المدوّنات من أجل نشر أفكارهم ومواقفهم، وبلغت ذروة إنشاء المدوّنات في الدول العربية مع حلول سنة ,2006 حيث نشرت لوموند ديبلوماتيك مقالا في شهر أوت من السنة نفسها أشارت فيه إلى أنّ عدد المدونات العربية تجاوز 40 ألف مدوّنة من أصل أكثر 37 مليون مدوّنة موجودة على شبكة الإنترنت، وفي تقرير نشره موقع >TECHNORAT< المتخصّص في التدوين تمت الإشارة إلى أنّ العالم يشهد ظهور مدوّنة جديدة كل ثانية وأن المعدل هذا ينطبق على منطقة الشرق الأوسط والدول العربية، ومن بين الأسباب التي أدت إلى انتشار المدوّنات في أوساط الشباب العربي أن الحكومات العربية التي تعتمد خطابا سياسيا يدافع عن حرية الرأي والتعبير سرعان ما تفرض قيودا على الإعلام بحجة مراعاة التقاليد والآداب العامة والقيم الدينية والحفاظ على أمن الدولة، إضافة إلى ذلك فإن انتشار اللهجات العامية العربية في المدونات ساهم بشكل كبير في استقطاب الشباب الذين يجدون في هذه اللهجات قربا شديدا من اللغة التي يستعملونها في حياتهم اليومية وحواراتهم مع بعضهم بعيدا عن >قيود< اللغة العربية الفصحى وقواعدها التي يجب احترامها في وسائل الإعلام التقليدية ·
جزائري صاحب فكرة تأسيس اتحاد للمدوّنين العرب
ظهرت فكرة تأسيس اتحاد يجمع المدونين العرب في شهر سبتمبر من سنة ,2006 حيث قدّم كل من الحقوقي الجزائري >عبد الحق هقي< والطبيب السوري المقيم في السويد محمد شادي كسكين وثيقة المبادرة التأسيسية لاتحاد >مدوّنون من أجل التغيير والبناء< ، واعتبرت هذه الوثيقة الإطار المبدئي والنواة الأساسية لتشكيل اتحاد يوحّد جهود المدوّنين العرب وينظّم عالمهم ويفعّل دورهم، وخلال الفترة التي امتدت ما بين 9 و18 سبتمبر 2006 تم إجراء استفتاء إلكتروني لاختيار تسمية الاتحاد فوقع الاختيار على اسم >إتحاد المدونين العرب< ، وفي 19 سبتمبر تم الإعلان عن تشكيل هيئتين الأولى إدارية تضم 13 مدونا من دول عربية، والثانية هيئة تضم أربعة من الأسماء اللامعة في عالم الكتابة، وعملت هاتان الهيئتان على الخروج بفكرة إتحاد المدونين العرب إلى الواقع ·
اتصلت >المحقق< بالمدوّن الجزائري عبد الحق هقي صاحب فكرة تأسيس الاتحاد لمعرفة الظروف التي أحاطت بولادة هذه الفكرة فأوضح >أنها جاءت نتيجة لتفاعل إيجابي داخل المجتمعات التدوينية مع القضايا المصيرية والقيم الحضارية للأمة، وكذا شعور وحس مسؤولية المدوّن الإنسان تجاه بلده الصغير أو وطنه الكبير، ورغبة منه في النهوض الحضاري والدّفاع عن الحرية والكرامة ومحاربة الاحتلال والظلم والفساد بالوسائل المشروعة وبإيجابية قيم المواطنة الحقة< ، وأضاف أن >العدوان الصهيوني الأخير على لبنان في صيف سنة 2006 والحصار المحكم على غزة في ظل فوز حركة المقاومة الإسلامية >حماس< وبتعميم أدق ـ ينصف باقي تيارات المقاومة الفلسطينية ـ انتصار خيار المقاومة والحفاظ على الثوابت الفلسطينية على خيارات الاستسلام والتفريط، بالإضافة لما كان يحدث في العراق وبعض الأوضاع الداخلية في العالم العربي، كل هذه الأحداث شكلت فرصة لظهور حركة تدوينية نشطة انتقل فيها المدوّن، الذي يعتبر حديثا على التدوين، من مجرد الكلام وشحذ الهمم والتباكي إلى طرح مبادرات عملية ومشاريع واقعية، هذا الوضع دفعني للتساؤل العميق لماذا لا يوجد إطار يجمع هذه الإرادات الخيرة والطاقات الخلاقة بمختلف توجهاتها الدينية والمذهبية والعرقية والأيديولوجية والقطرية للإسهام في بعث مشروع النهضة العربية في ظل تنمية فكر الحوار وروح التعايش وقيم المسؤولية <·
وعن الإجراءات الإدارية المتعلقة بالحصول على الاعتماد الرسمي للاتحاد، أوضح عبد الحق هقي أن >أعضاء الإتحاد في الدول المختلفة يعملون على تقديم أوراق الاعتماد في إحدى الدول العربية أو الأجنبية التي تسمح قوانينها بقيام مثل هذه الاتحادات، وأنهم يرشحون كلا من الأردن أو الإمارات لكون قانونيهما مرنين بخصوص مثل هذه الاتحادات، وإن كنّا نقدم الأردن بالنظر إلى أنه لنا أعضاء كثر فيه، وكذا وجود تجارب سابقة كاتحاد كتاب الإنترنت المعتمد في الأردن الذي انطلق افتراضيا قبل ثلاث سنوات، وأنه في حال عدم وجود بلد عربي يقبل الاعتماد أعتقد أن كــل الدول الأوربية تقبل اعتماد تنظيم مثل اتحادنا باستكمال الشروط المطلوبة كإقامة الأعضاء في البلد المطلوب فيه الاعتماد، ولنا والحمد لله، مدوّنون عرب كثر مقيمون في دول أوربية، وإن كنا نحبذ أن يتم الاعتماد في دولة عربية وربما هو ما أخرنا بعض الشيء < ·
تتمثل أهم أهداف اتحاد المدونين العرب حسب ما جاء في قانونه الأساسي في توحيد المدونين العرب في سبيل خدمة اللغة والثقافة والقضايا العربية وإحداث نهضة فكرية وعلمية، الدفاع عن المدوّنين وحريتهم في التعبير وحمايتهم من الحبس والاعتقال والمساءلة والوقوف ضد حجب أو غلق المدونات، إلى جانب السعي من أجل توثيق وتنظيم الحركة التدوينيّة العربية، والعمل على ترسيخ مبدأ احترام قانون حماية الحقوق الفكرية والأدبية وذلك حفاظا على النتاج الفكري والمعنوي للمدونين ·
> التدوين< ·· صوت الشباب العربي
رغم أن ظاهرة التدوين تعتبر حديثة على الدول العربية، إلا أن المدونين العرب أظهروا انسجاما تاما مع أبرز القضايا التي تهم الدول العربية من خلال إطلاق عدد من المبادرات التي تم تجسيدها من خلال المدونات، ففي مارس 2007 اقترح المدوّن المغربي >محمد سعيد أحجيوج< تنظيم أسبوع للتدوين العربي بهدف تسهيل متابعة المدونات العربية المتميزة، وبالفعل تم تنظيم أول أسبوع للمدونات العربية بين 25 و31 مارس2007 شارك فيه مشاهير المدوّنين العرب وتم نشر مقالاتهم في صحيفة >مدارات< الإلكترونية، وجاء تنظيم هذه المبادرة بعد أن ارتفع عدد المدونات العربية بشكل كبير منذ بداية سنة ,2006 حيث أصبح من الصعب الوصول في وقت قصير إلى المدونات الجيدة التي تعالج القضايا المهمة وتقدم إنتاجا فكريا متميزا، كما أطلق عدد من المدوّنين التونسيين مبادرة تحمل شعار >يوم1 جوان سوف ندوّن للمغرب الكبير< وتقضي بتخصيص يوم1 جوان للتدوين حول قضايا المغرب الكبير من أجل تحقيق المزيد من الاندماج والتلاحم بين المدونين ببلدان المغرب العربي بعيدا عن السياسة التي فرقتهم، وتمثّل هذه المبادرة دعوة جماعية لدول المغرب العربي لتجاوز الخلافات الظرفية التي تعيق حركة الوحدة والاندماج، والقيام بخطوات عملية مشتركة ومشاريع تمهد لاتحاد اقتصادي مغاربي، وأكد المشاركون في هذه المبادرة على وقوفهم ضد الإرهاب السياسي الذي يواجه المنطقة ونبذهم للعنف والتطرف بكل أنواعه، وأصرّ عدد من المدونين المشاركين في المبادرة على تغيير تسمية المغرب العربي إلى >المغرب الكبير< لتفادي إقصاء الأقليات الأخرى أو إعطاء صبغة عنصرية للمنطقة ·
المزيد